الحديث المتجدد في بغداد عن مشروع لحل "الحشد الشعبي" ما علاقته بالسباق الانتخابي في العراق وأين طهران منه؟

الحديث المتجدد في بغداد عن مشروع لحل "الحشد الشعبي" ما علاقته بالسباق الانتخابي في العراق وأين طهران منه؟

نتيجة بحث الصور عن الحشد الشعبي

فجأة سرت الاسبوع الماضي في الاوساط السياسية والاعلامية العراقية، أنباء مفادها ان حكومة حيدر العبادي شرعت سراً في إعداد مشروع يفضي على مراحل الى حل "الحشد الشعبي" بضم عدد من قطاعاته ووحداته وعناصره الى القوى المسلحة العراقية، وتسريح هادئ وتدريجي لما يتبقى من الجسم العسكري لهذا الاطار بذريعة انتفاء الحاجة اليه بعد صرف تعويضات لأفراده. 

عودة الحديث مجدداً عن امكان تسريح الحشد، شكلت عنصر مفاجأة لمتابعي الشأن العراقي وفتحت أبواب الاجتهاد حوله لاعتبارات عدة أبرزها:

- ان المصادر الحكومية العراقية المعنية لم تنفِ هذا التسريب لتسقط نهائياً كل ما بني عليه، ولم تؤكده أيضاً لتصير المسألة أمراً واقعاً يتعين التعامل معه جدياً من الآن فصاعداً.

- ان هذه التسريبات أتت غداة كلام نُسب الى المرجعية الشيعية العليا في النجف، أي مرجعية آية الله العظمى علي السيستاني، مفاده ان المرجعية ترى ان الاخطار التي استدعت اطلاقها فتوى "الجهاد الكفائي" والتي أوجبت استطرادا استيلاد الحشد ومن ثم تكليفه مهمة مشاركة القوات المسلحة العراقية في عملية جبه تنظيم "داعش" الذي كان بلغ أقصى تمدد له في الجغرافيا العراقية (أفادت التقديرات انه سيطر على ثلث الجغرافيا العراقية)، لا تزال قائمة، مما حسم السجال الذي دار لفترة حول ابقاء الحشد أو تسريحه، عقب الاعلان الرسمي لهزيمة "داعش" في محافظات الوسط العراقي من حيث الاقرار بابقائه الى أجل غير مسمى احتياط دعم للقوات العراقية، ووضع حدا للضغوط المكثفة المختلفة المصدر (ضغوط غربية وعربية خليجية) والتي دعت حكومة العبادي الى التعجيل في عملية حل الحشد لئلا تتكرر تجربة الميليشيات المسلحة الرديفة للقوات النظامية على غرار ما هو حاصل في لبنان وفي مناطق السلطة الفلسطينية.

وبناء عليه كان التسريب عن مشروع يُعد في عتمة أروقة حكومة بغداد لتسريح هادئ ومتدرج للحشد الذي أثار ايجاده جدلاً في الاوساط العراقية المنقسمة اصلا حيال كل الملفات، مدار تأويل وتحليل في الاوساط عينها فحواهما:

- ان اثارة الموضوع مجدداً على هذا النحو هو من إعداد، واخراج، حكومة العبادي الذي من الاساس لم يكن من دعاة ابقاء الحشد وتشريع هذا الابقاء لغايات ضمنية، في مقدمها انه يريد ان ينفي عن نفسه تهمة "الانبطاح" أمام توجيهات ايران ومصالحها، ليؤكد انه من دعاة البقاء على الحياد في ظل الصراع الحاد الدائر منذ زمن بين الرياض وطهران، وكي يدحض استتباعاً عن نفسه شبهة الانتماء الى "محور المقاومة والممانعة" الذي يسعى جاهداً الى الربط بين الساحات العربية الثلاث.

وعليه فإن العبادي شاء من خلال هذا التسريب ان يبلغ من يعنيهم الامر انه لا يزال يبحث عن فرصة لتسريح الحشد واعادة الامور الى مربعها الاول.

- ما برح العبادي، كما اعضاء الطبقة السياسية العراقية التقليدية، على علم بان فكرة ابقاء الحشد في الحياة السياسية العراقية تلقى معارضة وتحفّظ مروحة واسعة من المعارضين والمتوجسين الذين لا يحبذون رؤية اطار جديد الى جانبهم يزاحمهم وينافسهم ويجاهر برغبته في الحصول على حصة وازنة في مجلس النواب العراقي، واستطراداً مشاركتهم في عملية المحاصصة التي هي من أعمدة التركيبة السياسية العراقية منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003. لذا فان هذه الشريحة ستجد حتماً في التسريب ضالتها المنشودة وتتخذه جسر عبور مجدداً الى فكرة الدعوة الى حل الحشد والمضي في اثارة الموضوع.

- لم يعد خافيا انه عشية انطلاق السباق الانتخابي في العراق، المقرر مبدئياً في أيار المقبل (بدأت محاولات جدية لتأجيل الاستحقاق عبر المحكمة العليا)، غاص المشهد السياسي العراقي في ضبابية غير معهودة، وخصوصاً بعد انفراط عقد التحالفات والاصطفافات السياسية التقليدية التي ظلت حاضرة بعناد منذ الانتخابات النيابية الأولى التي شهدها العراق عقب اسقاط النظام البعثي، اذ ان كل القوى والمكونات والشخصيات الشيعية اجبرت على تجاوز خلافاتها والانضواء تحت لواء تحالف واحد بمباركة ضمنية من مرجعية النجف، فظهر مذذاك ما يعرف بـ "التحالف الوطني العراقي" الذي كُلف تشكيل الحكومة وتسمية رئيسها انفاذا للدستور العراقي، وتالياً الامساك بمقاليد السلطة والحكم.

وقبل نحو أربعة أشهر من الموعد المبدئي لتوجه الناخبين العراقيين الى صناديق الاقتراع لخوض التجربة الديموقراطية الرابعة في حقبة ما بعد صدام، تشير المعلومات المتوافرة من بغداد الى ان السمة الغالبة في المشهد السياسي العراقي الحالي هي ظهور ما لا يقل عن 200 حزب وهيئة ولائحة سارعت الى تسجيل نفسها للانخراط في السباق البرلماني، وهذا الواقع التفتيتي فرضه، وفق المعلومات نفسها، يأس الناس من تجارب الحكم المُرة السابقة التي اشاعت ثقافة الفساد والهدر وفتحت الابواب امام المحسوبيات، فكانت تجربة سنين عشر عجاف قيل في ذمّها والتحدث عن سلبياتها ما لم يقله مالك في الخمرة.

وعليه فان تحليلاً يقول بأن الاصطفافات والقوى الكبرى لجأت الى اسلوب تفريخ مجموعات وقوى صغيرة لتتوارى خلفها وتخوض معركة العودة المأمونة الى الحكم والسلطة. لذا ثمة من يرى ان تسريب الانباء مجددا عن مشروع قيد الاعداد لتسريح الحشد، الذي يدرك الجميع ان دونه عقبات وحسابات معقدة، انما يندرج في اطار بازار وابتزاز سياسي بين الاطراف المعنيين ، ولاسيما منهم الشيعة الذين تفرقوا أيدي سبأ، وصار من الصعوبة بمكان ان يجدوا من يلم شتاتهم كما في المرات السابقة الا اذا حصل في اللحظة الاخيرة ما هو خارج دائرة الحسابات.

وفي كل الاحوال، ثمة قناعة تسري الان أكثر من أي وقت مضى في الوسط السياسي العراقي، تتحدث عن مرحلة اختلاط الاوراق وتداعي المعايير والقواعد السابقة، واختصارا ثمة مرحلة انتقالية صار كل طرف فيها مكلفاً قلع شوكه بيديه ليحجز مكانه المفترض في المشهد السياسي الضبابي الذي هو قيد التشكل في مرحلة ما بعد انتهاء "داعش" وما مثّلته من صدمات وهزات عميقة أطاحت ما كان يعتقد انه مسلمات وثوابت.

والسؤال الاكبر المطروح الى جانب ذلك هو: هل يمكن ان تبقى طهران مكتوفة حيال ما يمكن ان تنطوي عليه المرحلة الضبابية من احتمالات ومفاجآت، وهي التي لها حصة الاسد في قوى الحشد الشعبي وبذلت جهودا كبيرة لحماية بغداد من هجمة "داعش" الشرسة التي خططت لاسقاطها؟ أم انها بحسب كل التوقعات هي يقظة ومتنبهة ولن تترك الفرصة تتسرب من بين اصابعها نظراً الى خصوصية بلاد الرافدين في قائمة الحسابات الايرانية الواسعة؟

  • قراءة 183 مرات
الدخول للتعليق